المتحف الرقمي العربي      إستمعوا الى اللوحات الصوتية شاهدوا اللوحات بالفيديو تابعونا على يوتيوب تابعونا على الفيس بوك تابعونا على تويتر متابعة نشاط الموقع
{
شارك بمقال
منتدى الفن التشكيلي (قريباً)
}

لوحة المرأة الباكية

للفنان بابلو بيكاسو


مقال بقلم نوار سكجها


المرأة الباكية
- تكبير اللوحة

المرأة الباكية
للرسام الاسباني بابلو بيكاسو
رسمت يوم 26 تشرين الأول سنة 1937
زيت على قماش
59،5 × 49 سم
من مقتنيات متحف تات في لندن، انجلترا


في المرة الأولى التي حاولت فيها قراءة هذه اللوحة ضعتُ في زاوايا هذه المثلثات المتكسرة هنا وهناك.. فبدأت أقرأ هذه
اللوحة كنص أدبي جميل.. فوجدتها غنية ثرية بالتشبيهات التي تحاكي طقساً حزيناً من طقوسنا الدخلية التي نخصصها للبكاء.

يذيقك بيكاسو بؤس حرب أهلية إسبانية من خلال هذا التعقيد و التداخل والتكسير التكعيبي الذي ما كان إلا محاولة طفولية منه كي يجعلك تجد طعم ملح دموع هذه المرأة، فشبّه العيون الباكية بزورقين يسبحان في بحر دموعها الجارية ويكادان يغرقان من شدة الدفق حتى فُقئت عيناها من حرّ النحيب...

ثم امتص بيكاسو الألوان من فم المرأة وأسنانها وأبقى على اللون الأزرق كناية عن بُحيرة صبّت فيها المرأة قطر دمعها من مجرى عينيها...
ثم راح بيكاسو بكل شغب يشبه الدمع "بخرمشات" تترك علامات على وجهها الباكي وترك المسبب في هذه الرمشات وهي أصابعها وأظافرها التي رسمها بطفولة محضة على وجه امرأته هذه التي قضمت المنديل من شدة الألم مستخدماً زواياه الحادة ومثلثاته للتعبير عن حدة شعور الأسى في هذا المشهد.

هذا التحطيم و التكسير للمفردات وإعادة صياغتها من جديد في قالب من الاستعارات والكنايات التي تشبه تلك التي نقرؤها في سطور الشعر ومفردات الأدب منح بيكاسو التفرد الجميل في لوحته التي حافظ في خلفيتها على خطوط مستقيمة ليركز المتأمل على مثلثاته المتكسرة حزنا على وجه هذه المراة المفجوعة ...

وأخيراً....
أتفق جداً مع بيكاسو في سخريته إن كان أراد أن يقول : أن سلاح المرأة ليس دموعها... فقد أظهر بشغبه الطفولي أن المرأة على كل بؤسها وحزنها وارتدائها الأسود للحداد، لم تتنازل عن قبعتها الأنيقة التي تشبه حوض زهور جميل ولم تترك أناقتها وقِرطها الذي أسدلته من خلفه خصلات شعرها الناعمة، على الرغم من أن رسالة خفية تركها لنا من وراء ذلك هي أن المرأة لم تكن تعلم ما ينتظرها في هذا اليوم و أنها بدأت يومها بأناقة ودلال... إلا أن الفاجعة داهمتها تاركة ذكراها لوحة خالدة في إحدى متاحف لندن...

لن أشرح اكثر... فلوحات بيكاسو لا يزال متأملها يقع فريسة سخريتها وعمقها... ففي كل مرة أكتشف شيئاً جديداً وألمح لوناً جديداً يجعلني أقرأ اللوحة من جديد... دون أن تسيطر علي ثقافة القبح... فحاولوا أن تقرأوا اللوحة من منظور الفرق بين الحقيقة و الزيف لا من منظور الجمال والقبح..
فالزيف هو القبح الحقيقي في الفن والأدب... بل في العمر وأشياء اخرى...